عندما يبكي الرجال

سيدي أبا محمد:

أتقدم باسم من آمن بربك،وسار على دربك،باسم من بكتك عيونهم إذ أحبتك قلوبهم، باسم إخوانك الذين علمتهم الحب والبذل والثورة،وقاسمتهم القيد والخبز والحسرة،باسم المنتظرين وما بدلوا تبديلا..

نتقدم- تملأنا مشاعر الغبطة والشوق –إلى الملائكة والنبيين والشهداء ، وكل رفاقك في السماء ، بالتهنئة والتبريك فهنيئاً لهم قدومك إليهم و وفودك عليهم ، وهنيئاً لك أبدلك الله صحبتنا بصحبتهم فهنيئاً لك ولهم.

لقد تعودنا هنا في معتقل "هداريم" * في مثل هذا الوقت من كل عام أن يمن الله علينا بنفحات عطرية شذية تهب علينا هفهافة ندية ، تتحدى كل حواجز الأرض ودود الأرض،لتستقر في قلوبنا عبر أنوفنا،قادمة من بيارات البرتقال والليمون التي تناضل معنا ببقائها متجذرة في أرض فلسطين،تعطر أجواء فلسطين،رائعة مثل فلسطين.

ولم ندر هذا العام لماذا تأخرت علينا أشجارنا الحبيبة بهديتها،حتى خفنا أن تكون ملَت بقاءنا وظنت أنما استطبنا مقامنا فامتنعت تحثنا وتنبهنا أن عطرها ما عاد يحتمل عفن الموتى الذين يدبون فوق أرضها كالأشباح،وتستحثنا أ نؤازر عبيرها بعبير قدسي عنبري من مسك الدم الطاهر الدفاق النابع من حب الله والوطن عائداً إلى قاب الوطن ليُنبت في أهل الوطن روح الفداء وشوق النصر؛ولكنها حكمة أحكم الحاكمين،شاءت أن تحفظ الأرض زخرفها وزينتها وزهرها وشذاها للأول من صفر،ذلك اليوم الذي تحتفل فيه السماء بوافد أحبه رب السماء ليلتقي فرح الأرض باحتضان جسده الشريف،وفرح السماء باستقبال روحه المشتاقة..

سيدي أبا محمد:

يا من سموت فوق كل الألقاب الوهمية،فلم تحمل منها سوى ما أغاظ عدوك،وتعاليت فوق كل الأوسمة الزائفة،فلم نجد على صدرك إلا نور الإيمان وحب الأوطان،ولم يشرِف أكتافك إلا حمل الهموم   وآلام أمتك،في زمن تدافعت الأكتاف وتزاحمت في سبيل النحاس..

يا أغلى الناس:

نعلم أنك مللت الأرض وتقت للأعالي،تلك الأرض الني حسبت جاذبيتُها أن سلبك قدميك سوف يشدك إليها وقعدك العذر عليها – حباً بك واستبقاءً عليك – فتمردت على قوانينها وعشاقها وسموت بفكرك وحلَقت بعزيمتك حتى أبدلك الله بكل قدم جناح وبكل يد جناح وبكل عجَل جناح وأبدلك مقعدك الذي فاخرت به كل عروش الأرض بمقعج صجق عند مليك مقتدر.

سيدي أبا محمد:

لقد كانت إقامتك بيننا عظة للأرواح التي لا يحدها الجسد،وثورة للقلوب على مخاوف الجسد،و كنت حجة ولعنة على أصحاب الأعذار و التعذرات والرخص،"وأنت اليوم أوعظ منك حيا" بل لا زلت – يشهد الله – أنت الحي،"وقد مات قوم وهم في الناس أحياء" ؛فما كان لمثلك أن يكون إلا كذلك،ما كان لك أن تزرع الجهاد والأسر والمقاومة،فتحصد غير الخلود والشهادة والرفعة،ما كان لك إلا أن تستشهد – يا سمي أحمد،يا أبا محمد – إلا في يوم وفاة محمد صلى الله عليه وسلم وبعد أن سرت على نهج محمد صلى الله عليه وسلم،صائماً كما علمناك،شامخاً كما عهدناك فهنيئاً لك جواره عند ربه،وهنيئاً لك موقف الصدارة قرب حوضه.

حبيبنا وقائدنا:

لقد علموا أن المسجد قوتك،والمنبر عظَمتك،والمحراب ملجأك،فظنوا – وخابوا – أنهم سلبوا المسجد قوَته بموتك،والمنبر عظمته بقتلك،والمحراب أمانه باغتيالك،فانتفضت المساجد واستلت مآذنها سيوفاً وحراباً ومحاريبها أغماداً وأجفاناً ومنابرها عروش قيادة،ليكون مكان ابتدائك مكان انتهائهم وبكاء وفائك نواح فراقهم،وسيعلم الذين ظَلموا أي منقلب ينقلبون..

سيدي وأخي وحبيبي:

يا ملح الأرض،كان الله شرفني بالأسر معك،و وفقني فعرفت دربك،و لعله يرحمني و يرزقني مثل شهادتك ويجمعني عنده بك؛فبلغ سلامي من سبقنا من الأحبة،محمداً وصحبه،وأبا الحسن*؛ تلميذك وأستاذي،مريدك وشيخي،و أبلغه أنا ما بدلنا ما عاهدنا عليه،و ما خنَا وما قعدنا،فلك السلام يا شهيد الإسلام و يا شيخ الإسلام.

عندما يبكي الرجالُ الرجالَ تبكي الأرض والسماء والجبال..عندما يبكي الرجال تكون دموعهم عهداً،و نشيجهم قسماً..عندما يبكي الرجال تبكي بنادقهم رصاصاً،و يبكي عدوهم دماءً..عندما يبكي الرجال تبكي الأرض زلازلاً والسماء رعوداً والجبال حمماً..

وعندما يبكي الرجال يتغير التاريخ.

                                                                                        هداريم 23\3\2004م

*هداريم : تعني باللغة العربية البيارات،وقد سمي المعتقل بهذا الإسم نسبة إلى البيارات الكثيرة التي تحيط به.

*أبو الحسن : هو الأستاذ القائد الشهيد إسماعيب أبو شنب.
*أرسلت هذا المقال للنشر ولكنه ضاع في الطريق قبل وصوله للجريدة.
 
موقع البطل سلطان العجلوني
 


جميع الحقوق محفوظة 2008© ضوابط الإستخدام | بيان الخصوصية